الفرق بين الثقافة اليابانية والعربية | 5 صدمات لمسلم يعيش في اليابان منذ 5 سنوات

الفرق بين الثقافة اليابانية والعربية | 5 صدمات لمسلم يعيش في اليابان منذ 5 سنوات

استمع إلى المقال 00:00 / 00:00

ما ستتعلمه من هذا المقال

  • الفرق في مفهوم الوقت بين اليابان والعالم العربي وكيفية التأقلم معه
  • كيف تتجنّب الأخطاء الغذائية كمسلم في اليابان وأهمية قراءة قائمة المكونات
  • فرق المسافة الشخصية بين الثقافتين، وقصة حقيقية لتجنّب سوء الفهم
  • ما تحتاج معرفته عن ثقافة العمل اليابانية كمسلم، وكيف تتعامل مع حفلات الشرب
  • كيف تعيش حياتك الدينية في اليابان: مفهوم "أخبر بدلاً من انتظر"

هذا المقال مناسب لـ

  • العرب الذين يخططون للسفر إلى اليابان ويريدون التحضير الثقافي
  • العرب الذين يفكرون في العمل أو العيش في اليابان
  • من يريد أن يكون مستعدّاً قبل الوصول حتى لا يتفاجأ
  • من يهتم بفهم الثقافتين العربية واليابانية معاً

تأخّر القطار بضع دقائق فقط، فاعتذر أحدهم عبر مكبر الصوت داخل القطار.

هذه كانت أول صدمة واجهتها بعد وصولي إلى اليابان.

أنا يمني مسلم. التقيت بزوجتي اليابانية في ماليزيا، وتزوّجنا عام 2019. ثم انتقلت إلى اليابان في أكتوبر 2020، وأعيش في اليابان منذ ذلك الوقت.

لا أريد للعرب القادمين إلى اليابان أن يشعروا بالقلق. اليابان بلد رائع، لكن من يأتي دون معرفة الفرق الثقافي قد يتعرّض لمواقف محرجة أو مشاكل غير متوقعة. في هذا المقال، سأشارك بصدق ما اكتشفته خلال 5 سنوات عن الفرق بين الثقافة اليابانية والعربية، من أجل إخواني وأخواتي العرب.

الوقت — كأنني دخلت عالماً آخر

أكثر ما صدمني عند وصولي اليابان هو دقّة القطارات.

القطار يأتي كل بضع دقائق وينطلق في موعده بالضبط. هذا وحده مذهل، لكن الأكثر إدهاشاً أن تأخر القطار بضع دقائق فقط يستوجب اعتذاراً عبر مكبر الصوت. اليابانيون يصلون قبل موعد اللقاء بـ 5 دقائق عادة. مستوى الالتزام بالوقت هنا مختلف تماماً عما عرفته في العالم العربي.

رصيف محطة قطار في طوكيو ورجل أعمال ياباني يسير على الرصيف

عندما كنت في ماليزيا، كانت قطارات MRT و LRT دقيقة نسبياً، لكن قطار KTM (الخطوط الماليزية) لم يكن يصل في موعده، وكانت الباصات أحياناً تمر دون توقّف. لم نكن نعرف “هل ستأتي أصلاً”. في اليابان لا يوجد هذا القلق، لكن في المقابل عليك أنت أيضاً أن تلتزم.

بعد 5 سنوات، أصبحت أتابع التأخيرات في الوقت الفعلي عبر Google Maps، وأتحرّك بدقة كاليابانيين تماماً.

الطعام والحلال — قواعد تعلّمتها على المائدة اليابانية

أول شيئين أدهشاني في آداب الطعام الياباني:

الأول، الأكل بصوت مسموع للنودلز. والثاني، رفع الصحن إلى الفم. كلاهما يُعتبر سوء أدب على المائدة العربية. لكنني تعوّدت على ثقافة “صوت الرامن” بسرعة نسبياً.

ما حيّرني أكثر عند تناول الطعام مع زوجتي هو ثقافة أكل السمك النيء. السوشي والساشيمي كانا في البداية شيئاً غريباً جداً.

امرأة مسلمة محجبة تتسوّق في سوبرماركت ياباني

هنا أريد أن أنبّه إخواني المسلمين إلى نقطة مهمة جداً.

لحم الخنزير منتشر في اليابان أكثر مما تتخيّل. لا يقتصر على الرامن والجيوزا، بل يدخل في الحلويات والأطعمة الجاهزة في المتاجر والمأكولات المعلّبة. ما يحتاج انتباهاً خاصاً هو المكونات التي لا تظهر بالعين: الجيلاتين، الخلاصات، التوابل قد تحتوي على مشتقات الخنزير، ولا يمكن معرفتها من اسم المنتج فقط.

منذ وصولي اليابان، اكتسبت عادة قراءة قائمة المكونات على كل منتج غذائي. كانت مزعجة في البداية، لكنها عادة لا غنى عنها للعيش كمسلم في اليابان.

المسافة بين الناس — قصة معروفي مع الشرطة

في اليابان، المسافة بين الناس تختلف اختلافاً كبيراً عن العالم العربي. وهذا لا يقتصر على العلاقة بين الرجل والمرأة، بل ينطبق على كل العلاقات الإنسانية.

حدثت لمعرفة لي عربي قصة حقيقية:

أحسنت إليه طالبة جامعية يابانية، فاحتضنها بخفّة كنوع من الشكر. هذا تصرّف طبيعي للتعبير عن الامتنان في الثقافة العربية. لكن الطالبة فوجئت واتصلت بالشرطة، فانتهى الأمر بمشكلة قانونية.

هذه ليست قصة “نية سيئة”، بل قصة اختلاف ثقافي بحت.

في اليابان، حتى بين أفراد من نفس الجنس، الاحتضان من أوّل لقاء غير شائع. ما تقصده “لطفاً” قد يُفهم على أنه “تجاوز”. أعتقد أن هذه أهم نقطة يجب أن ينتبه لها كل عربي قادم إلى اليابان.

في الحياة بثقافة مختلفة، الأهم هو أن تسأل نفسك: “ما الذي يعنيه فعلي الطيب لدى الطرف الآخر؟”. هذا ما تعلّمته.

العمل والعلاقات — حتى وقت الراحة محدد بالقانون

أول شيء صدمني عندما بدأت العمل في اليابان كان ثقافة المكتب.

حتى أوقات الراحة محددة بالقانون. هناك قانون اسمه “قانون معايير العمل” ينظّم بدقة ساعات العمل وأوقات الاستراحة. هذا مختلف تماماً عن ثقافة العمل التي عرفتها في العالم العربي.

في الشركات اليابانية، هناك أيضاً ثقافة النوميكاي (حفلات الشرب). مكان لتعميق العلاقة مع الزملاء عبر الكحول. لكنني مسلم ولا أشرب الكحول. نصيحتي لأي عربي سيعمل في اليابان: إذا كنت لا تتحمّل أن يشرب الناس الكحول أمامك، أخبرهم بذلك من البداية، ثم قرّر بعدها هل ستذهب معهم لتناول الطعام أم لا. اليابانيون يقرأون ما بين السطور كثيراً، لكن قواعد الدين لا يدركها أحد ما لم تخبرهم بنفسك.

أوّل صديق ياباني تعرّفت إليه كان أيضاً من زملاء العمل. تجربتي تقول: في اليابان، الصداقة تبدأ من مكان العمل.

الحياة الدينية — “أخبر” بدلاً من “انتظر”

هذا الموضوع هو أكثر ما أريد إيصاله في هذا المقال.

سأكون صريحاً: العيش كمسلم في اليابان ليس سهلاً. غرف الصلاة بدأت تتكاثر، وبعض المتاجر الكبرى في طوكيو فيها غرف صلاة. لكنها لا تزال محدودة. بيئة العمل والشارع لا تمنح بعد التسهيل التلقائي للصلاة أو الانصراف القصير لأدائها.

مسلم يصلّي على سجادة في غرفة يابانية بإطلالة على طوكيو

في بداية إقامتي، لم تكن لي الجرأة لإخبار من حولي عن طقوسي الدينية، فعشت كثيراً من اللحظات الحائرة.

هنا أريد أن أكتب أهم درس تعلّمته خلال 5 سنوات.

“اليابانيون ليسوا قساة، بل لا يعرفون فقط”.

من تجربتي، كثير من اليابانيين لا يعرفون عادات الإسلام بالتفصيل. لذلك، بدلاً من الانتظار لأن يلاحظوا حاجتك، عليك أن تخبرهم بنفسك: “أنا مسلم وأحتاج هذا”. بمجرد أن تخبرهم، ستندهش من جدّيتهم في محاولة الفهم.

لا تنتظر، بل أخبر. أعتقد أن هذا هو مفتاح العيش كمسلم في اليابان.

رغم كل ذلك، لماذا أبقى في اليابان

كتبت 5 صدمات ثقافية. لكنني أحبّ اليابان من قلبي.

شوارعها نظيفة بشكل مذهل. القطارات تأتي في موعدها. أمان يسمح للمرأة بالمشي وحدها ليلاً. رعاية صحية من الطراز الأول. هذا الأمان اليومي لم أعشه في ماليزيا ولا في اليمن.

شارع ياباني هادئ عند الغروب مع أزهار الكرز

رسالتي الأخيرة لإخواني وأخواتي العرب القادمين إلى اليابان:

“تحضّر، لكن لا تخف. تعال بأمان”.

الفرق الثقافي ليس مشكلة، بل اكتشاف. أتمنى أن تكون حياتك في اليابان رائعة.